الرزينة ر . لالاني ( مترجم : سيف الدين القصير )

136

الفكر الشيعي المبكر ( تعاليم الامام محمد الباقر )

ويوحي الدليل بأن منزلة الباقر بين معاصريه جعلت العديد من العلماء يشعرون بأنهم أدنى منه درجة ؛ حتى المشاهير منهم نظروا إليه بمهابة وتقدير على أساس من علمه البارز . ويروى أن عبد الله بن عطاء المكي قال إنه لم ير العلماء أبدا يشعرون بالضآلة في حضرة أي شخص مثل تلك التي كانوا يشعرون بها أمام أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ( الباقر ) . ولتوضيح هذا الأمر ، أضاف أنه حتى المحدّث المشهور الحكم بن عتيبة ( ت . 113 ه / 731 م ) كان يتصرف أمام الباقر ، بغضّ النظر عن سنه وشهرته ، وكأنه تلميذ في حضرة معلم . « 6 » وروي عن عالم غير شيعي مشهور ، هو محمد بن المنكدر ، قوله إنه لم تسبق له رؤية من يتقدم على علي بن الحسين حتى التقى بولده محمد بن علي ، أي الباقر . « 7 » ليس لهذه الواقعة توثيق بحد ذاتها في التهذيب لابن حجر ، إلا أنه ، طبقا للمصادر الشيعية ، كان في بعض نواحي المدينة في يوم حار عندما لقي الباقر وهو معتمد على غلامين له أسودين ، « 8 » فقال محمد بن المنكدر في نفسه : « شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحالة في طلب الدنيا لأعظه . » فدنا من الباقر وحيّاه ، ورد الباقر له التحية بغضب وهو يتصبب عرقا . فقال محمد بن المنكدر « أصلحك الله ، شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحالة في طلب الدنيا ، أرأيت لو جاءك الموت وأنت على هذه الحالة في طلب الدنيا ؟ » فخلا الباقر الغلامين من يده ، ثم تساند إلى الحائط وقال : لو جاءني الموت ، والله ، وأنا على هذه الحال ، جاءني وأنا على طاعة من طاعة الله عز وجل ، أكفّ بها نفسي وأهلي عن الناس ، وإنما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله . فردّ محمد بن المنكدر باستحياء : « رحمك الله ، أردت أن أعظك فوعظتني . »

--> ( 6 ) . أبو نعيم ، حلية ، م 3 ، ص 186 . ( 7 ) . ابن حجر ، تهذيب ، م 10 ، ص 350 وما بعدها . ( 8 ) . القاضي النعمان ، شرح ، م 3 ، ص 282 - 283 ؛ ومناقب ، ورقة 301 - 302 .